بحث مخصص

Tuesday, August 19, 2008

الوباء

الوباء

اوشك فصل الخريف علي الرحيل... تلك الاشجار التى اصفرت اوراقها وتساقطت جميعها... في منظر بديع قد يوحى اليك انها مريضه... او ان وباء ما قد اصابها....والشمس باشعتها الذهبية التى تسقط على تلك الاوراق الصفراء مما يجعلك تظن ان الوجود كله قد صبغ بذلك اللون الذهبي...والاوراق متناثرة هنا وهناك... وهي تطير بفعل الريح... تلك الاوراق اليابسة... تصتدم هنا وهناك... فتحدث ذلك الصوت المميز... الذى طالما استمتعت بسماعة والانصات اليه... والاشجار كانها تماثيل ذهبية عملاقة... فروعها في السماء... بلا اوراق... او كانها عمدان ضخمة... منتصبة في تناسق بديع ... وتنظيم مدروس... حتى تظن انها تنظم طرقا في تلك الغابات الشاسعة... وهنا... هنا بالذات!! عند تلك الشجرة الضخمة الهائلة... في ذلك المكان المميز... كنت القاها... مازلت اتذكر يوم كانت مخضرة مثمرة في الربيع الذى مضى... وهي!!؟ كانت فائقة الحسن والجمال... سحرت بسحرها كل من راءها... وفتن بها كل اهل القرية... الصغير قبل الكبير...الكل يموت شوقا لابتسامتها... ويشتاق دائما لرؤيتها... احببتها!! وهي كذلك احبتني!!

انتظرتها طويلا تلك المرة... لم يكن التاخير من عادتها... اشتد قلقي عليها... كلما مر الوقت... زادت حدتي وتوتري... خفت ان يكون قد اصابها مكروه... تلك المرة الاولي التى تتاخر فيها عن موعدي... وفجاءة لاحت في الافق البعيد... كدت اطير فرحا بلقياها... ونسيت كل قلقي وزال التوتر عنى... وصار قلبي يخفق بقوة!! وعيناي تتراقصان طربا لرؤيتها... لكم احبها... دائما ما اشتاق لرؤيتها... واحزن كل الحزن عند فراقها... واتالم شديد التالم عندما اراها تتالم حتى لكاني اشعر بدموعها تكوينى بنار حامية اذا ما رايتها تبكي... وما ساءنى في تلك الدنيا قط... الا ان اراها حزينة... او اشعر انها ولسبب ما قد اصابتها التعاسة... سعادتها تضفي عليا الفرحة والسرور... وابتسامتها تعطينى املا في تلك الحياة... وحبها يفتح لي كل الابواب المغلقة...

كان في عينيها نظرة حزن والم ... لم ار مثلها قط... لم تستطع حتى ان تنظر الي... لقد حدث امر جلل... ترى!!؟ ما اصابها... سالتها بصوت فيه نبره خوف ولهفة...

زهرة... ماذا اصابك... بالله عليكي خبرينى... ماذا حدث...!!؟

اجابتني بصوت يملؤه الحزن...

جواد!! لقد اتاني من يطلبني للزواج... !!

كان وقع كلماتها علي الكالصاعقة ...ترردت قليلا... ثم اجبتها...

زهرة... انها ليست المرة الاولي... وبالتاكيد لن تكون الاخيرة... وانا كما وعدتك!! سوف اتقدم لزواجك بعد ان ابيع محصول الشتاء... واحصل على المال اللازم الذى طلبه والدك واشترطه لكي يوافق على زواجنا...

اجابتني وقد بدت عليها علامات الحيرة والقلق:

لكنه غني!! وفارس من النبلاء... ويبدو انه راق لوالدي كثيرا... واخاف ان تسير الامور ويحدث ما اخشاه....

اجبتها مباشرة:

سوف اذهب لمقابلة والدك الليلة... لا تقلقى ولا تشغلي بالك بالامر... سوف اقنعه اليوم!! واخذ منه وعدا بان تكوني انت لي....

طارت من الفرح لدى سماعها لكلماتي... وصارت تقفز وتصفق في جذل طفولي... طالما عهدته فيها... ولكم احببت تلك الطفولة الدفينة التي تقبع في داخلها... ولكم اسعدني ان اراها سعيدة... ودعتني... وانصرفت مسرعة... تعود ادراجها الي المنزل...

(في المساء)

ذهبت الي والدها كما وعدتها... كانت المنازل في القرية... صغيرة جدا... كان منزله عبارة عن كوخ من الخشب... طابق واحد لاغير... كان منزلا متواضعا للغاية... كبقة منازل القرية... طرقت الباب ثلاث طرقات متابعة... فاتاني صوت غليظ من الداخل يقول:

من الطارق....

فاجبت مسرعا....

انا جواد يا عمي... افتح الباب....

فجائنى الصوت من الداخل...

ادخل يا جواد الباب مفتوح....

دخلت واغلقت الباب من خلفي... وكان الكوخ من الداخل شديد البساطة... غرفة نوم وغرفة للاعاشة فيها مدفئة وطاولة لتناول الطعام... وحمام... كان ذلك هو التصميم السائد في معظم بيوت القرية... حتى وكانك تشعر انها نسخ متطابقة...

دعاني للجلوس... وكان حزينا للغاية... كان في شدة الحزن.... فسالته في محاولة مني لكي اعرف السبب وراء هذا الحزن العميق....

لقد مات الفارس النبيل الذى جاء بالامس طالبا الزواج من ابنتي زهرة...

انعقد حاجباي في دهشة ثم اجبته :

انا لله وان اليه راجعون... كيف حدث ذلك يا عمي... !!؟

فاجابني وعلامات الاسى مازالت لا تفارق وجهه العجوز حتى لانك تتخيل ان وجهه مليء بالاف الكسرات والحنيات والنتوئات... التى تميزها في وجهة بصعوبة بالغة في ضوء مصباح الجاز الخافت جدا...

اصابته حمى شديدة... ومات... انه امر الله!!؟

فاجبته بتلقائية...

حمى... الكل يصيبه الحمى... لكن الحمى لا تقتل... جاري اصابته حمى شدية بالامس واظن انه قد تعافى الان... واخى اصابته حمى عنيفة وانا متاكد تمام التاكد اني ساعود لكي اجده قد تعافي...

فاجاباني بصوت تميز فيه الحزن الشديد...

لكل منا اجل ... وذلك يوم ات لكل منا لا ريب ...

ساد الصمت بضع لحظات... وشعرت ان الوقت غير مناسب تماما لكى افاتحة في موضوع زواجي من ابنته زهرة... واكتفيت الليلة بتخفيف احزان عمي... وبعدها ودعته وانصرفت عائدا ادراجي...

(في الطريق)

كانت تلك المصابيح في تلك المدقات والحواري الصغيرة التى بين المنازل تصيبنى بالرعب... ضوئها الخافت جدا يجعلك ترى ظل الفار الصغير وكانه اسد عملاق ... بالكاد كنت تستطيع ان تميز البيوت... نظرا لتشابها الشديد... كان القمر مكتملا في تلك الليلة ... مما حسن الوضع كثيرا... واضاف لمسة جمال خفية... لا يشعر بها الا من يقدر الجمال... ويحب الطبيعة الساحرة... كان الوقت قد تاخر كثيرا... وبدا اهل القرية يطفئون الانوار والمصابيح ويخلدون الى النوم... حتى ما عاد الا اضواء تلك المصابيح التى في المدقات... يبدو انى تاخرت كثيرا!!؟

(في البيت)

كان الوقت متاخرا جدا... فتحت الباب في حرص شديد كى لا اوقظ اهل الدار... وبدلت ملابسي في سرعة وخفة... وبينما انا كذلك لاحظت ان ضوء خافت جدا ياتى من غرفة اخي الصغير... وصوت نحيب بالكاد تسمعه....

دخلت الغرفة...!ّ! فاذ باخى راقد في الفراش... وامي بجواره تنتحب.... وكان الضوء الخافت هو ضوء تلك الشمعة الصغيرة... التى ذابت حتي صارت بركة من المياه صغيرة جدا – هكذا خيل لي—وتلك الشعلة الصغيرة جدا تطفوا على سطحها...

تقدمت ببطء نحو امي وربت على ظهرها بحنان... وسالتها...

ماذا يبكيكي يا امي...

اجابتنى فزعة... بعد ان سمعت صوتي... لم تلحظ انى دخلت الى المنزل... ولم تشعر بدخولي الي الغرفة...

اخوك يا جواد... اخوك مريض جدا... اخشى علية... الحمى تزداد... وحرارته ترتفع شيئا فشيئا...

اجبتها بهدوء وانا امسك بيديها واربت عليهما بالاخرى...

لا تقلقي يا امى... سوف تستيقظين باكرا... لتجيدينه معافا تماما ... فقط اذهبى الى الفراش... واخلدي الى النوم... وانا ساعتني به....

ارتاحت كثيرا بعد ان سمعت كلماتى... وزال عنها التوتر والقلق... اخذت بيدها وساعدتها على النهوض... وذهبت بها الى فراشها... وساعدتها على النوم... وتركتها لتخلد في نوم عميق جدا...

عدت الى غرفة اخي... وحاولت ان اشتشعر درجة حرارتة بعد ان وضعت يدى على جبهته... وما ان لمسته... حتى انتشلت يدى انتشالا... !!؟ حرارتة عالية جدا... اني اخشى عليه... ارجو ان يتعافي سريعا...

(في الصباح)

كنت قد نمت على ذلك الكرسي بجوار اخي... وما شعرت بنفسي... والا بعد ان شعرت باشعة الشمس وهى تدخل الغرفة رويدا رويدا... واصوات العصافير بالخارج يتاعالى شيئا فشيئا... فركت عيناي في لطف... ونظرت الى اخى... كان لونه شاحبا جدا... حاولت مجددا ان اشتشعر حرارته... ووضعت يدى على جبهته... رباه !! لقد زالت الحرارة تماما... بل العكس... انه بارد كالثلج..!! لكن!! لكنه لا يتنفس..!! اتسعت عيناي في هلع..!!؟ وصرخت صرخة اهتز لها الوجود...

اااااااااااااااااخخخخخخخخييييييييييييييييييييي ......!!!

(بعد ساعة)

خرجت وانا اهل القرية لنشيع جنازة اخي... في موكب مهيب... واذ بنا نفاجا ان هناك 7 اشخاص اخريت... توفوا ليلة امس... في ظروف غامضة كتلك التى مر بها اخي... حمى... وحرارة مرتفعة... ووفاه!! وبدا القلق يسود في المقرية الصغيرة... ترى هل هو وباء ... ام انها لعنة... ام انه سحر خفي..!! وبدات الشائعات تنتشر... والخرافات تشيع... واقوال بان القرية مبنية فوق قبر احد السحرة ... واخرون تحدثوا عن اسطورة الكهف الذى في طرف القرية... بعضهم ادعى ان من يدخله تصيبه لعنة ما فتقتله ... ووسط كل الحزن والقلق والياس... تحدث احدهم عن رجل يسكن في مكان خارج القرية... منعزلا عن اهلها... وذكر انه رجل عجوز... ولا بد ان نجد عنده الحقيقية لما يحدث...

قررنا ان نذهب اليه غدا... وان نكتفى اليوم بتوديع اقاربنا واهالينا الذين فقدناهم الليلة...

(في صباح اليوم التالي)

كانت مفاجئة مؤلمة وحزينة... الدهشة عمت ... والذعر والخوف صار في كل مكان... وبدا بعض اهل القرية يعد للرحيل... بعد ان علمنا ان عشرة اشخاص اخرين من اهل القرية توفوا اليوم وبنفس الطريقة وبعد ان ظهرت عليهم نفس الاعراض... هنا!! وهنا فقط... قررنا ان نذهب حالا الى الرجل العجوز... ذهبنا الى كبيرنا... وعرضنا عليه الموقف... وذهبنا جميعا... الى ذلك الرجل العجوز الذى يسكن خارج القرية... في تلك الغابه المخيفة... التى طالما ترددت حولها الشائعات والخرافات...

(عند الرجل العجوز)

كان اغرب منزل رايناه على الاطلاق... كان مصنوعا من الخشب... كبقية المنازل التى عهدناها ولكنه كان مبنيا فوق جذع شجرة عملاق... في الواقع!! كان منحوتا في الشجرة... صعدت على السلم وطرقت على الباب... ليعتينى صوت عميق جدا يملؤه الوهن الشديد...

من بالباب...

اجبته متلهفا:

انا جواد... من القرية المجاورة... جئت انا وكبار رجال القرية لنجلس معك قليلا...

في الواقع نريد ان نسالك عن بعض الاشياء الغريبة التى بدات بالظهور في قريتنا نؤخرا...

فتح الباب... ودعانا للدخول....

كان منزله هو الاكثر بساطة على الطلاق... لا يوجد به أي قطعة اثاث تذكر... فقط تلك البرده... ومدفئة بها مدخنه... يبدو انها لم تستخدم منذ وقت طويل... طبعا ونحن في فصل الخريف... وبعض الحطب المتراص في احد اركان المنزل وحسب...

اما عن الرجل... كان كهلا الى اقصى درجة تتخيلها... شعرة طويل جدا ولحيته تكاد تغطى وجهه فلا ترى من وجهه شيئا... لكنك كنت تشعر برهبة ما من ذلك الرجل... دائما يروادك هذا الشعور عندما تجلس مع احد الحكماء...

نظر الينا بعينيه الواهنتين... ثم قال بصوت خافت!!

لقد عم الوباء اذن!!؟

اجابه كبيرنا في اقتضاب!!؟ بعد ان عقد حاجبية في شدة...

أي وباء تقصد...

قال الكهل بنفس الهدوء...

لم جئتم اذن...!!؟

ساد الصمت لحظات... ثم شرع كبيرنا يقص كل ما حدث على ذلك الكهل الذى كان منصتا بعناية لكل ما يقال... وهو يداعب لحيته ... ويتمتم ببعض الكلمات من وقت لاخر... حتى فرغ كبيرنا من الحديث... وبعدها ساد الصمت مرة اخرى... ولكنه استمر طويلا هذه المرة...

قال الكهل بعد تفكير عميق...

انه داء عضال... تنتشر بسرعة ... وفي غضون ايام سوف تفنى قريتكم... ويموت كل من فيها...

اجابه كبيرنا بعصبيه شديدة وبصوت عال وجهوري للغاية...

هل جننت... ماذا تقصد... هل سنموت جمعيا...!! محال!!

لابد ان يوجد حلا... سوف نغادر المكان... سوف ننتقل الى مكان جديد...

اجابه الكهل بحزن شديد...

للاسف الشديد... لا مفر!! المرض كامن بداخل رجال ونساء واطفال وشيوخ القرية...

مغادرتكم للقرية سوف يساعد في انتشار المرض ونقله الى اشخاص اخرون ابرياء...

سوف يموت ناس كثيرون!!

جن جنون كبيرنا... وصار يصح كالمجنون:

مستحيل... لا بد ان يوجد حلا... لكل داء دواء... لابد ان يوجد دواء لهذا المرض اللعين!!

اجابه الكهل بنفس الهدوء:

فعلا... يوجد دواء... لكنه نادر جدا ... ويصعب الحصول عليه...

ان الطريق اليه محفوفة بالعديد من المخاطر... واذا وصل اليه احدكم لن يحصل الا على كمية تكفي لشفاء شخص واحد فقط!!؟

عاد كبيرنا للجلوس... والحزن الشديد ظاهر بوضوح في كل قسمات وجهه... وعلامات التفكير العميق تظهر عليه!! وبعد صمت طويل!! قال:

اذن هوالموت المحقق... وصار لزاما علينا ان نمنع الجميع من المغادرة لكي لا تنتشر المرض في القرى المجاورة... سوف نواجه مصيرنا مجتمعين... اذا كنا لنموت... فلنمت شجعانا... سوف نواجه مصيرنا المحتوم بكل شجاعة...

وحذار ان يخبر احدكم أي من اهل القرية على ما دار بيننا اليوم ... سوف يظل سرا... حتى يقضى الله امرا كان مفعولا...

ابتسم الكهل ابتسامة باهته اعياها الزمن... وقال:

انت رجل رائع... تستحق ان تكون فعلا كبيرا لاهل القرية... كل نفس ذائقة الموت... وسواء عاجلا ام اجلا... سوف ياتى ذلك اليوم الذى نفارق فيه الاحباب...

كنت طوال الوقت انصت باهتمام شديد... والحزن يملؤني... والعبرات تتصارع في عيني... كان كل تفكيري فيها!!؟ كيف تموت زهرة!! ترى من فينا يلقى حتفه اولا... لا اظنني سوف اتحمل ان اراها مريضه... لا اتخيل ان افارقها... وكيف اعيش ايامي الباقية حتى وان كانت معدودة بدونها...

كانت تلك المشاعر تتصارع بداخلي... حتى اخذت قراري الاخير... سوف احضر الدواء لها حتى وان كنت ساواجه الموت نفسه في سبيل الوصول اليه... ومهما تكبدت من الام ومن معاناه للحصول عليه... سوف ابذل قصارى جهدى...

انتظرت حتى خرج الجميع... وسالت الرجل الكهل:

خبرني بالله عليك... اين اجد الدواء...

نظر الي العجوز نظرة اشفاق... وقال :

يا بنى... ارضى بقضاء الله... ولا تعبث كثيرا... ان لم تمت بالمرض فسوف تموت وانت تحاول الحصول على الدواء...

اجبته بعصبية بالغة:

لكنى اريدة... سوف اجرب حظي... انا اثق تماما في قدرتي... دعنى اختبر شجاعتي وقوتي...

اجاب الكهل متبسما:

الرجال لا يقاسون بالقوة والشجاعة... لكى تحصل على الدواء تحتاج الي الحكمة والعقل والذكاء.. حسن التصلرف وحدة هو الذي سيصل بك الي الدواء...

فبادرته بالكلام:

اذن سوف تخبرني اين اجده...

عقد حاجبية في تفكير عميق... وبعد صمت دام للحظات اجاب:

زهرة الاوركيدا الضخمة... على قمة الجبل الابيض... خلف شلالات "ميتونا" الرائعة

تلك الزهرة نادرة جدا... سوف تميزها من كبر حجمها... ولونها الاحمر الفاقع... وتلك الاشواك التى لا تستطيع عدها... سوف تحتاج الى ورقة صغيرة من تلك الزهرة... واياك ان تستزيد... لكي لا تغضب حارسها...

لكنك سوف تحتاج ان تعبر الكهف الذي يمر من تحت الشلالات الي قمة الجبل...

ولا اخفيك سرا!! ما دخله احد قط... وعاد على قيد الحياة!!

يقولون ان الشجاعة هي سلاح من يعبر الكهف... والحكمة هي طريقك... والصبر زادك... والاصرار والتصميم هي شعلتك... والحظ هو ما تحتاجه اخيرا لتنجو وتعبر الكهف...

هناك على قمة الجبل... احذر الحارس العملاق... انه يشعر بك... يشم رائحتك... ويقفو اثار اقدامك... وطعامه هو خوفك... فلا ترهبه... واحرص دائما على الا تقع معه في مواجهة مباشرة...

كنت انصت في اهتمام شديد ... كان كلام الكهل غامضا... وشعرت ان الطريق محفوفة بالاخطار... وبدا الياس يتسرب الى نفسي... ولكنى تذكرتها فجاءة... صورتها لا تفارق خيالى ابدا... شكرت الرجل... وهممت بالانصراف... قبل ان اتذكر واسال الكهل:

الا يوجد طريقة لكى احصل على دواء يكفي لشخصين...

قهقه الكهل بصوت عال... واخذ يسعل بشدة من شدة الضحك... وقال:

عجبا للبشر... الطمع سوف يقضي عليهم جميعا يوما ما...

لا يا بنى... الدواء يكفي شخص واحد فقط... على افتراض انك سوف تحصل علية!!؟

حييته وانصرفت وكل تصميم واصرار على الوصول الى الدواء والحصول علية.

(في صباح اليوم التالي)

جهزت حاجيتى وهممت بالرحيل... وودعت امي... وغادرت المنزل... كان معظم اهل القرية في الخارج... وكبيرنا يخطب في الجمع الغفير... يشجعهم ويحثهم علىى عدم المغادرة... ويطمئنهم بان ما يحدث امر طبيعى نتيجة لتلوث المحاصي تلك السنة وان كل ما عليهم هو ان يغسلوا الاشياء جيدا قبل ان ياكلوها...

كانت كذبة باهتة جدا... وشعرت ان معظم الناس لا يصدقون الكلام... لكنه نوعا ما طمانهم... على الاقل لقد سمعوا الكلام الذي ارادوا ان يستمعوا اليه... الكل طبعا يريد ان يصدق أي شئ غير ان هذا ما هو الا وباء فتاك.. وان الكل سوف يموت قريبا...

بعدها امر رجال الشرطه المعينين بمنع أي شخص ايا ما كان من المغادرة...

اتسعت عيناي في وتذكرت اني اريد الرحيل الان... يجب ان اسرع قبل ان ينتشر رجال الشرطة ويفطنوا الي امرى....

واذ باحدهم ينادينى:

انت يا هذا... ما تلك الصرة التى تحملها على ظهرك...

تنبهت اليه... يا لا الكارثة... لقد لاحظ صرة ملا بسي... لو علم ان عازم على الرحيل سوف يسجنني... ولم يتم الشرطي كلماته حتى اطلقت لساقي العنان... اركض سريعا احاول الهرب...

وهو يركض خلفي... وينادى على بقية افراد رجال الشرطة... اسرعت باتجاه الغابة... احاول ان ازيع اغصان الاشجار بكلتا يدى لكى ارى الطريق من امامي وانا اركض باقصى سرعتي...

ورجال الشرطة من خلفي يحاولون الامساك بي بشتى الوسائل والطرق... وفجاءة وبدون أي مقدمات شعرت وكان الارض انهارت من تحتي... واني اغوص بسرعة في اعماق الارض حتى ارتطمت بشئ ما وفقدت احساسي بالوجود...

(في الليل)

افقت بصعوبة شديدة جدا... وكنت اشعر بالم شديد في كل انحاء جسدى... كان المكان شديد الظلمة حتى اني لا استطيع ان ارى يداي ... اخذت اتفقد المكان بعناية... لاجد اني قد سقطت في حفرة طولها حوالي متران...

اخذت احاول بشتئ الوسائل والطرق ان اخرج منها ولكن دون جدوى... وفجاءة سمعت صوت فحيح في مكان ما قريب منى... وشعرت بشئ ما يلتف حول احد قدماي... علمت انه ثعبان... اخذت ارفس الارض ... واركل الهواء يمينا ويسارا... حتى شعرت وكان الارض تتزحزح من تحت قدماي... فسكنت تماما محاولا ان امعن السمع علي اعرف ما يدور ... وفجاءة انهارت الارض من تحتي ... واذ بي اسقط في هوة عميقة جدا... حتى ارتطمت بالارض مجددا... وغبت مرة اخرى عن الوجود...

(في الصباح)

افقت لاجد نفسي امام نفق عملاق... وفتحة الحفرة من فوقي... كانت بعيدة جدا... علمت اني لن استطيع بلوغها بما املك من امكانيات وان سبيلي الوحيد للخروج من هنا... هو ان اسير في هذا النفق... علي اجد فتحة ما اخرج منها...

خلعت قميصي... وقمت بربطه حول غصن شجرة كبير وجدته على الارض... واشعلت فيه النار ... واخذت اسير في ذلك النفق الكئيب على ضوء شعلتي المتهالك...

(بعد ساعات طويلة)

لاح لي ضوء باهر في نهاية النفق... وكانها فتحة استطيع الخروج منها... وكان صوت خرير ماء في الجوار... يبدو انه نهر ما ... هنا او هناك...

اخذت اركض باتجاه الفتحة... وكلما اقتربت منها ... ازداد صوت الماء قوة... في الواقع انه هدير شلال ما... معقول!! حل وصلت الي الشلالات... سوف اطير من السعادة... يبدو ان الحظ حليفي في رحلتي تلك... ويبدو ان الله سوف ينصرنى ويساعدنى على بلوغ القمة... التي لاحت لي من بعيد... كان الشلال ضخما للغاية.. وقدرت اني سوف احتاج اسبعوعا على اقل تقدير كي اصل اليه ومن ثم اواصل رحلتي نحو القمة واواصل البحث عن الكهف ...

كان منظر بديع... شديد الجمال... فاق الوصف وفاق كل خيال... منظر الماء وهو يهوى من القمة الي القاع في غاية الروعة... ورذاذ الماء الصغير جدا يرتطم بوجهك فيشرعك بتلك السعادة الخفية ... والمتعة التى لا حدود لها... وقوس قزح على قمة الشلال... في منظر بديع... وهناك بالقرب من القمة كان الكهف واضحا للعيان... لا بد انه الكهف الذي اخبرني عنه الكهل... اسرعت اتسلق الشلال في مهارة... وكلي لهفة... واكتشفت ان تسلق الجبال متعة حقيقية ... نظرا لما فيها من مغامرة ... ومخاطرة... خاصة وان هذا لم يكن مجرد جبل عادي... بل كان في الواقع شلالا ...

مضت ايام!! وبدا الطعام ينفذ... وبدا النهاك والتعب يحل بي... كنت اتسلق الشلال في النهار... واجد أي فجوة او كهف صغير اختبئ فيه في الليل... ومع الوقت كان الجو يزداد بروده... وكلما صعدت كلما شعرت بصعوبة في التنفس... ولكن كان امامي هدف... كنت اصبو اليه دائما... وهو الدواء... لابد ان احصل عليه ... وباي ثمن...

وصلت اخيرا الى مدخل الكهف بعد اسبوعان من التسلق والصعود والمشي والسفر... لكني اخيرا وصلت... وصلت الي الكهف

" يقولون ان الشجاعة هي سلاح من يعبر الكهف... والحكمة هي طريقك... والصبر زادك... والاصرار والتصميم هي شعلتك... والحظ هو ما تحتاجه اخيرا لتنجو وتعبر الكهف..."

تذكرت كلام الكهل عن الكهف... وقفت اتامله بضع لحظات... وتلك القشعريرة الباردة تسري في اطرافي... اعلم جيدا اني سوف اواجه الموت بالداخل... واعلم تماما... انه من المحتمل ان لا اعود من رحلتي تلك... وكل يقين اني ساواجه مخاطر عدة بالداخل... وسارى مالم يره احد بالداخل... لكن "زهرة" تستحق ان اخاطر بحياتى من اجلها... وان احضر لها الدواء... وان اساعدها على الشفاء... استجمعت شجاعتي... ودخلت الكهف..!!

(في داخل الكهف)

احيانا تصيبك رهبة غامضة ... وينتابك ذلك الشعور الغريب المبهم في بعض الاماكن التى تعجز عن تبرير ذلك الشعور عندما تكون فيها!! لكن!! مدخل ذلك الكهف خاصة كان مختلفا بكل المقاييس... كان كئيبا... رائحة الموت تفوح من داخله... لكن ما باليد حيله... انه الطريق الوحيد... وسوف اسلكه لا محاله...

اشعلت الشعلة وظلت امشي... وامشي وامشي... حتى خيل لي ان الطريق لن تنتهي او اني اسير في دائرة مغلقة!! ظلت امشي اياما عديدة... توقفت عن عد الايام وما عدت ادري في أي يوم نحن... ولا كم يوم مضي... تلك الايام تمضي وحسب... واكتشفت ان عدوي اللدود في تلك الرحلة هو الوقت... يجب ان اسرع!! ليس امامي كثيرا من الوقت...

واخيرا لاح لي من بعد وكان احدهم قد اشعل نارا في نهاية الممر... اخذت اركض نحو نهاية النفق... كان الحر يتزايد بشدة مقلقة... وكان الهواء مشبعا بابخرة غريبة... اخذت اركض حتى وصلت الى النهاية... كان منظرا مهيبا بحق... ان الحمم في بطن الجبل تغلي... لم يكن جبلا عاديا... انه بركان... اخذت انظر الى الحمم !! منظرها مخيف!! انها تصهر كل شيئ واي شئ ... وفجئاة ظهر كائن ضخم من بطن الحمم... انه يطير... اخذ يحوم قليلا... ثم هاجمني...

كان يشبة الى حد كبير الكائن الاسطوري الذي سمي بالتنين... هو اشبة بديناصور احمر... له وجه اقرب الى التمساح... وجناحان عملاقان... وله لسان افعى... ينفث النار من انفه وفمه... يحرق بها كل ما يقابله... وبدون أي مقدمات بدا يهاجمني...

لم يكن معي أي سلاح... تنحيت بجنابي سريعا... والقيت نفسي في الارض برشاقة لكي اتفاداه... ولكن كيف لي بمقاتلة هذا الوغد العملاق... لكن خطر لي...!! انه من نار... وما يقهر النار الا الماء... ولكن اين لي بماء هنا في هذا الجحيم!! اخذت انظر حولي... واتفقد المكان بسرعة قبل ان يعاود التنين الهجوم... تذكرت!! علي ان استدرجه الى الشلال...ولكنه بعيد جدا... كيف اعود مسيرة عشرة ايام وكيف اخدعه اجعله يصتدم بمياه الشلال... فكرت قليلا... الا توجد أي مياه قريبة... ولكن!! تري كيف استدرج هذا المخلوق!! فكرت قليلا ثم اتسعت عيناي عن اخرها!! لقد وجتها!! سوف انل منك ايها الحقير...

اخرجت من حقيبتى ردائي الاحمر... وربطه كعلم على جذع شجرة... واخذت الوح به للتنين... وما ان راني حتى جن جنونه... وصار يطاردني في اصرار وعناد... في الواقع كان يطارد العلم ... وانا اركض عائدا ادراجي نحو الشلال... هو يصتدم في جدار النفق يمينا ويسارا... وجنونه يزداد شيئا فشيئا... وفجاءة انهار جزء كبير من جدار الكهف ليكشف شلال الماء من جديد... في الواقع اكتشفت ان الكهف هى عبارة عن مجموعة انفاق تقود الي قمة الجبل موازية نوعا ما لشلال الماء... وهنا ادركت ان صوت الماء والهدير الذي كنت اسمعة طيلة الوقت ماكان الا صوت الشلال القريب مني جدا في الواقع... وعند الشلال فكرت سريعا.. قفزت نحو الماء... فقفز في غباء ورائي...وتعلقت بحافة صخور الفتحة التي صنعها التنين... وهنا كان اغرب منظر ممكن ان تراه...

عندما تطفئ النار بالماء... يتبقى منها بخار الماء والرماد... وهذا ما حدث تماما عندما التقي التنين بشلال الماء... اصبح رمادا... وتبخر في الحواء ... بكل هذه البساطة... هذا الكائن الضخم وفي لحظات اصبح مجرد بخار ماء...

عدت الى الكهف مرة اخري ... واخذت اسير في نفس الطريق... حتى وصلت الى الحمم مجددا... وتابعت السير بعد ان اشعلت شعلتي... لكى ينير لي في ذلك النفق المظلم بشده... وظللت امشي... وامشي... وامشي... حتى ظننت ان هذا النفق لاينتهى... وظننت اني ضللت طريقي... وان شهورا قد مضت علي وانا في الكهف وبدا الياس يتسرب الي نفسي... وبدات اظن اني سوف اموت هندا في ذلك الكهف ولكن تلك المرة من الجوع ليس من حارس الكهف...

وقفت وقد اصابني الانهاك التام واصابني اعياء شديد... كنت اشعر بالوهن يسرى في كل اطرافي... والجو يزاداد برودة شيئا فشيئا... وصرت اتنفس بصعوبة بالغة... فطنت الى انى اتجه الى قمة عالية... وان البرودة بسبب الجليد في الخارج... اني اتجه الى القمة.... اخيرا!! وبعد كل العناء... انا اسلك الطريق الصحيحة...!! اخذت اركض بكل ما اوتيت من قوة... بعد ان دب النشاط فجاهة في ذلك الجسد الواهن... واخذت اركض... واركض... حتى؟؟!! كانت الصدمة الكبرى...

الطريق مسدودة... لايوجد مخرج... تلك هي نهاية ذلك المر الطويل... تلك هي نهايتى ايضا... سوف اموت هنا... في داخل اعماق هذا الكهف... وبعد ان تجاوزت كل تلك الصعاب... لقد ذهب كل ذلك سدى... راح هباء تذروة الرياح... سوف اموت..!! وتموت زهرة!! وتموت القرية... لقد فشلت...!!

اصابتني حالة هياج شديدة... وصرت اركل الهواء... واصيح!! وارتطم بالجدران وانا لا ارى في تلك الظلمة بعد ان خمدت نار شعلتي... جلست في احد الاركان ابكي واندب حظي...!!؟ تذكرت مقولة الكهل!!

" والحظ هو ما تحتاجه اخيرا لتنجو وتعبر الكهف"

أي حظ هذا... واين اجده... من اين لي بحظ وانا اتعس الناس... تذكرت قول الله تعالى (امن يجيب المضطر اذا ده ويجعلكم خلفاء الارض قليلا ما تذكرون) رفعت يداي الى الله... ودعوته

"يارب... يا من تجيب دعوة الداعي اذا دعاك... يا من تفرج كرب الكروبين... وتذهب هم المهمومين... وتكشف الضطر عن المضطرين... فرج كربتي واذهب عني الهم واكشف عني ضري... يا من لا ملجاء منه الا سواه... يارب لال اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين... قالها يونس فانجيته من بطن الحوت... فانجني من جوف كهفي هذا... "

وما ان تمت كلماتي حتى سمعت الارض ترتج من حولي... اخشى ان تكون هزة ارضية... او ان البركان قرر اخيرا ان يثور بعن ان غرق التنين في حممه الملتهبة... وفجاة سمعت صوت غريب في نهاية الممر... واذا بضوء باهر يعمى الابصار يجتاح المكان باكمله... اخذت اركض نحو نهاية الممر... واذ بمنظر لم احلم قط ان اراه...

يقولون ان منظر الثلج الابيض... على الارض الخضراء... وتلك الكرات الصغيرة جدا التى تسقط من السماء... لتندمج اخيرا مع بياض الارض... في منظر يوحى لك ان الوجود كله صار ابيضا ناصح البياض... هو لمنظر رائع جميل يفوق الخيال... لكني لم اكن اتصور انه بهذا الجمال... بدات اشعر ببرد شديد... وبدا الرياح تعصف بشدة منذرة بعاصفة ثلجية قريبه... اكتشفت اني في الواقع قريب جدا من قمة الجبل... لا بد ان اسرع!! لا وقت اضيعة...

(على قمة الجبل الابيض)

اول ماتذكرته على القمة هو كلام الكهل :

"هناك على قمة الجبل... احذر الحارس العملاق... انه يشعر بك... يشم رائحتك... ويقفو اثار اقدامك... وطعامه هو خوفك... فلا ترهبه... واحرص دائما على الا تقع معه في مواجهة مباشرة"

بدات اسير نحو القمة بصعوبة شديدة... والرياح تعارضني... وصرت اتنفس بصعوبة بالغة... والسماء تزداد ظلمة شيئا فشيئا... !! وبعد ساعات... وصلت الى القمة اخيرا... وهناك... كانت ظاهرة للعيان... ثابته لا تقرها رياح ... جميلة رائعة الجمال... كانت كبيرة بحق... وكانت المشكلة التى سوف تواجهني هو كيف اصل لاوراق تلك الزهرة... وكيف اقطفها... وهل سيجدني حارسها العملاق فعلا اذا اخذت بعضا من اوراقها... اخذت احاول الصعود على اطرافها لاصل لقمتها... واخذت بعضا من اوراقها الحمراء... وهممت بالنزول... وبينما انا كذلك اذ بصوت زئير لم اسمع له مثيل... يبدوا انه اسد ضخم او حيوان مفترس كبير جدا... اسرعت بالنزول... واخذت اركض سريعا اعود ادراجي الى فتحة الكهف... كنت اشهر بشئ غريب يركض خلفي... ويتبعنى باصرار... اختبئت خلف صخرة كبيرة... واخذت استرق النظر لانظر ما كان يطاردني... واذا به دب ابيض عملاق لم ار في مثل حجمه قط... تذكرت قول الكهل!!

"انه يشعر بك... يشم رائحتك"

نظر الي نظره رهيبة جعلتنى اموت رعبا... لم يكن دبا عاديا... نظراته غريبة... وكانه انسان ناقم...

كان بجواري جدول ماء صغير... تذكرت ان رائحة الانسان تضيع تحت الماء...

اخذت اركض نحوه بسرعة والقيت نفسي فيه... كان الماء بارد جدا... لكن خوفي كان اقوى من أي شئ اخر...

اخذت استرق النظر لارى وجهته... فاذ به يقفوا اثار اقدامي... ويقف مندهشا عاجزا عندما انتهت اثار الاقدام عند حافة الجدول...

" ويقفو اثار اقدامك... وطعامه هو خوفك... فلا ترهبه... واحرص دائما على الا تقع معه في مواجهة مباشرة"

اخذت اسبح في الجدول تحت الماء عائدا ادراجي... والبرد الشديد يكاد يقتلني... لكن اصراري وتصميمي غلب وقهر كل الصعاب... بدات الاحظ ان سرعة الماء تزداد شيئا فشيئا... وبدات افقد السيطرة على نفسي... وصار الجدول وكانه شللال ... وماعدت قادرا على السباحة ... وصرت اتخبط يمينا ويسارا... واذ بي ارتطم بشئ ما صلب في راسي... ففقدت الوعي على الفور... وفقدت الاحساس بالوجود...

ضوء باهر في عيني... والم شديد في راسي... وصوت خرير ماء بجواري... شيئا فشيئا... بدات ادرك ما حولي... وبدات افيق في هدوء... كنت على ضفة النهر بجوار الغابة… ها هي تلك قريتى تلوح عن بعد…

اسرعت الخطا نحوها … محاولا التغلب على كل الامي وجراحي… وعلى حالة الاعياء الشديدة التي اشعر بها… بدات اشعر بالجو يزداد بروده… واصابني رشح شديد صار يزداد مع الوقت شيئا فشيئا … يبدوا انا اصبت بدور برد حاد بعد الفترة التى كنت فيها على قمة الجبل بين الثلوج وتحت مياه النهر التى كادت ان تتجمد…

وصلت القرية… وكانت الهدوء يخم بشدة على كل ارجائها…

صحت باعلى صوتي:

يا اهل القرية اين انتم… اجيبوني!! اين ذهبتم …

لم احصل على اجابة... الصمت ولا شئ الا الصمت... اسرعت الى منزلي فلم اجد احدا...

اسرعت الى منزل "زهرة" فاذا بصوت انين وصوت نحيب... ذلك الصوت!! انا اعرفه تماما... انه صوت زهرة... لابد اناها تتالم بشدة... وصوت النحيب... انه نحيب والدتها... دخلت الغرفة فاذا بزهرة مستلقية على الفراش لا تقوى على الحراك... والام بجوارها... تبكى ...

اسرعت فجلست بجوارها... وامسكت بيديها!! وقلت لوالدتها!!

ماذا حل بها يا ام... واين ذهب اهل القرية... !!؟

تماسكت قليلا واجابتني:

لقد مات كل اهل القرية... ولم يبق سوانا... لقد كنا مختبئين في قبوا الدار... اقمنا هناك لشهور عدة... قضينا فصل الشتاء باكملة تحت الارض... في القبو...

صمتت قليلا ثم عادت لتكمل:

وبعد ان مرضت زهرة... اضتررت للخروج... وكانت الفجيعة ان مات كل اهل القرية... كلهم بلا استثناء...

قلت لها:

وماذا اصاب زهرة... اهو نفس الوباء... !!؟

اجابتنى:

نعم... الا تشعر بدرجة حرارتها المرتفعة!! ضع يدك على جبينها... وذلك الرشح المزمن التى تعاني منه... لا بد انه الوباء...

وضعت يدى على جبينها ... ولكن عجبا... لقد كانت درجة حرارتها عادية... لكن يبدوا عليها الاعياء الشديد ... والعرق يتصبب منها بشدة...

قلت لوالدتها وقد كنت دائما اناديها بامي:

درجة حرارتها عادية... لكنها منهكة... يبدو انه بعض الاعياء والنهاك الذي حل بها نظرا لطول الفترة التى قضيتموها في القبو تحت الارض...

اسرعت امها – امي – بوضع يديها على جبين زهرة... ثم عادت لتنظر الي في دهشة واستغراب... ثم عادت لتضع يديها على جبينى انا تلك المرة... لتتسع عيناها بشدة... ثم تنفجر بعدها في البكاء... وتقول:

درجة حرارتك انت ايضا مرتفعة بشدة... يبدوا ان المرض قد اصابك ايضا... لذلك لم تكن لتشعر بارتفاع درجة حرارتها...

اخرجت اوراق زهرة الاوركيدا الحمراء... كانت كلها قد تيبست تماما... الا ورقة صغيرة جدا... كانت محتفظة برونقها ونضارتها... عجبا!! يبدو انها اغرب زهرة سوف اراها في حياتى...

وطلبت من امي ان تنهض لتغليها في ابريق ماء...

وبنما هي كذلك اذ بي انظر مرة اخرى الى زهرة... كانت متعبة جدا... لم استطع التحمل... بكيت بشدة من اجلها... فنزلت دموعي بغزارة رغما عني... فاصابت بعضا منها حبيبتي زهرة... فاستيقظت وافاقت..!! كانت طيلة الوقت نائمة!!

قالت لي بصوتها الرقيق جدا الذي عهدته دائما ولكن يملؤه الاعياء والارهاق:

جواد!! لقد عدت... ظننت اني لن ارك ابدا ..!!؟

وابتسمت ابتسامة منهكة !! وواصلت:

حمدا لله على سلامتك... يبدو اني محظوظة بان رايتك قبل ان اموت...

صحت فيها !!

لا تقلي ذلك يا زهرة ... سوف تعيشين... سوف تعيشين اعواما عديدة... وتتزوجين رجلا فارسا مغوارا... وستنجبين اطفالا عدة... وسوف تمر السنين وتهرمين... وبعد عمر مديد سوف تموتين!! لكن على فراشك بين احفادك وابنائك..!!؟

عادت لتبتسم تلك الابتسامة التى لطالما عشقتها واحبب رؤيتها..!! تلك الابتسامة التى تعني لي الكثير... تلك الابتسامة التى اطوق دائما لرؤتها... لقد تكبدت عناءا كثيرا من اجلها... وحاربت الصعاب وجابهت الاهوال... وقهرت المستهيل... كي اعود لها بالدواء واراها تبتسم...!!؟ قالت:

ومن هو ذلك الفارس المغوار الذي سوف يتزوجني وانجب منه اطفالا عدة!!

هنا !! وهنا فقط... شعرت بحزن شديد لم يشعر به احد... انها زهرة التى علمتها كما هي... حتى وهي على فراش الموت... تلك الطفوله الدفينة في داخلها لا تفارقها ابدا... كانت تريد ان تدفعني بكلماتها ان اخبرها باني انا الفارس المغوار... حتى وهي على فراش الموت ما ارادت شيئا الا ان تستمع الي كلماتى... لكم اححبتها... وساظل دائما احبها... مسكينة!! لا تعرف اني انا مصاب بالوباء... وان الدواء الذي احضرته لن يكفي الا لشخص واحد... واني احضرته لها هي..!! واني سوف اموت لاتركها هي تعيش...!!

ابتسمت بدوري نفس ابتسامتها المنهكة: وقلت:

انا يا زهرة... وهل ستتزوجين غيري..!! بيتنا الصغير تنتظرك!! وحياتنا مقبله فانهضي وساعدينى على اعباء الحياة... ولا تتركيني هنا وحدى... لقد احضرت لك الدواء فانهضي لتشربية ..!!؟

هنا دخلت امي بالدواء وناولتني اياه... فساعدت زهرة على النهوض ومن ثم على شرب الدواء... كنت انظر اليها نظرات كلها حنان واشفاق وابوة... لن اخفيك سرا اني كنت اشعر اني ابوها في معظم الاحيان لانها كانت شديدة الطفولة ... قلت لها وقد بدا الوهن يسري في كل اعضائي... وبدات اشعر بانهيار كامل في كل وجداني...

سوف افتقدك كثيرا يا زهرة... سوف انتظرك هناك!! سوف نلتقي حتما...

كانت قد بدات تسترد عافيتها بسرعة ملحوظة... وبدا النشاط يدب فيها فجاءة... يبدو ان الدواء سريع المفعول... لا بد انه نجح ... كدت اطير فرحا... لكن!! ذلك الشعور بالثقل والوهن!! منعني حتى من ان اعبر عن فرحتي!!

اجابتني بسرعة بعد ان افاقت تماما ... وزالت الحراة عنها:

واين ستذهب... هل ستتركني من جديد... هل سترحل مرة اخرى... ومتى سوف تعود!!؟

ضحكت بصعوبة!! هي كعادتها تلقي كل الاسئلة في نفس الوقت دون ان تعي عما تسال !! واجبتها:

سوف اذهب الي اهل القرية... الى زملائي... واهلي واحبابي... لقد اشتقت لهم كثيرا!!

انعقد حاجبها... ثم قالت:

لقد ماتوا... كيف سوف تذهب لهم...

صمتت قليلا ثم اتسعت عيناها بشدة لتقول:

جواد لا اصدق ما فعلت... هل تضحي بحياتك لاجلي... هل اصابك الجنون...

ابتسمت لها وقلت:

لا!! لم يصبني الجنون... بل اصابني الحب...

الذكريات الجميلة التى عشناها معا تكفينى... وتلك الامنيات والاحلام التى تشاركناها سويا سوف تتحقق يوما من الايام... وانت دائما هنا بجواري... اينما كنت انا... ومهما كبرت بيننا المسافات... ومهما اختلف الزمان والمكان... انت دائما موجوده... في مكان ما... في حياتى... في منامي... في خيالى... في الابتاسمة التى ابتسمها... والقمر الذي انظر اليه... والنسيم الذي يداعب خصلات شعري... انت دائما موجودة... وسوف تظلين معي للابد... لنا يفرق بيننا احد... سوف انتظرك هناك!! سوف اكون سعيدا وانا اراقبك تستمتعين بالحياة التى ضحيت لاجلها بحياتى... وسوف اسعد عندما اراك تمرحين!! وتلهين!! تبتسمين وتفرحين!! وعنما تحزنين!! عندما تشتد بك الصعاب... وتنزل بك الاحوال... عندا يشتد عليك الموقف ويصعب عليك الصمود... سوف تجيديني بجوارك... كما كنت دائما بجوارك ...

زهرة!! عيشي حياة سعيدة وهانئة!!

كانت تلك الكلمات هي اخر ما نطق به جواد... لقد تمكن منه المرض... ولحق باصدقائه واهله وجيرانه!!

(بعد عام!! في الخريف الجديد)

كانت زهرة تقف عند تلك الشجرة الضخمة... لقد عاد فصل الخريف... وانقضت سنة عصيبة... مليئة بالهموم والاحزان... متخمة بالجراح... وفقدان الاحباب...

كانت زهرة صامتة!! تتذكر الاحداث التى مضت... تتذكر جواد!! وتتذكر لقائة عند تلك الشجرة... والهدايا التى كان يقدمها... والتضحية التى ضحى بها من اجل ان تعيش هي...

No comments: