بحث مخصص

Saturday, July 26, 2008

هل يعودون

ابي هل يعودون॥!؟ نظرت اليه। كان صغيرا جدا. ما كان ليدرك انهم لم يعودوا ابدا. كان متفائلا. كان متاكدا من عودتهم. لم استطع ان اخبره الحقيقة المرة. كانت براءة عينية تقتلني. والحزن يعتصر كل كياني. كيف اخبره انهم ماتوا جميعا. كيف اخبره انهم لم يعودا ابدا. كيف اشرح له معنى كلمة الموت و كيف ابرر له موتهم. لقد ماتوا جميعا نصب عينيه. ماتوا لانهم ارادوا الحياة. ماتوا و كل ذنبهم انهم ارادوا ان يعيشوا كبقية البشر. كيف اشرح له. و هل يفهم..!؟

انحنيت لالتقته بين يديّ و اضمه الى صدري। امده بالحنان و اكسبه الاطمئنان. بكيت و اجهشت فى البكاء. فبكى لبكائي. تمالكت نفسي و كفكفت دموعي. واخذت اداعبه. واهدئ من روعة. ابتسمت له, فعاد ليبتسم لى من جديد... قلت له اتعدني ان لا تبكي ابدا... ابتسم في جذل طفولي... ووعدني بالفعل...

سمعنا وقع الاقدام من جديد। لابد وانهم جائوا ليقتلونا هذه المرة. لابد ان عددهم اكبر بكثير هذه المرة. يلا الوقاحة, الم يكتفوا, انهم يعشقون القتل وسفك الدماء, انها رياضتهم المفضلة. لو شاهدت وجوهم لادركت على الفور انهم مرضى. لم يعد امامي الكثير من الوقت. لم اعد اكترث كثيرا لحياتي. لكن هذا الصغير لابد له ان ينجوا. انهم الامل الباقي. لسوف يحررنا هؤلاء الاطفال من هذا الطغيان يوما ما. انهم شباب المستقبل وامل الغد... انهم قادة جيش التحرير. يوما سيخرج منهم صلاح الدين. يوما ما سوف تتحرر الارض.

اخذت اركض به باقصى سرعتي متجاوزا اطلال بيتي. كان هنا منذ سويعات قليلة وهاهو الان مجرد رماد. اخذت ازيح جثث القتلى فى هيسترية فهذة جثة جاري. وهذا رفات اخي. وهذا ذراع ابي لم اعد اكترث كثيرا. لابد ان انقذه... لقد صار هو همي الاكبر. والغريب انه لم يكن خائفا تلك المرة. يبدو انه قد تعود ذلك...

وصلت الى الشارع بعد جهد مضني। اخذت اركض بغير هدي. انهم في كل مكان. لم تعد توجد اية اماكن تصلح للاختباء. وفجاءة لاحت لى احدى دابابات العدو من بعيد. كانت تقترب نحونا بسرعة كبيرة. يبدو انهم اعلونها علينا حربا شاملة. نظرت بجوار الطريق. كان هناك جذع شجرة يصلح للاختباء. اسرعت اليه وانبطحت انا و الصغير. حتى مرت الدبابة و صرنا في امان. مكثنا هاهنا حتي باغتنا الليل. ويالها من ليلة. لقد كانت مختلفة بكل المقايس.

كنا قديما نسخر من اطفالنا لانهم يخافون من الليل. لكنى الان اعذرهم جميعا. خاصة بعد ليلة كتلك التي قضيتها. تخيل معي انك تنام فى اكبر مقبرة يمكن ان تتخيلها. الجثث فى كل مكان. و اصوات المدافع لا تهداء. و الغارات مستمرة. الصراخ في كل مكان. و رائحة الدم تفوح من هنا و هناك. لسوف يصيبنى الجنون لو مكثنا هنا. لكم معى ان تتخيلوا حالة الصغير. اخذته وعدت اركض بغير هدى. لكنى كنت واثقا فى رحمة الله. و لسوف ننجوا باذنه قريبا...

بينما كنا نمشى شاهدت ضوءا باهرا يقترب من بعيد। كان تلك المرة يقترب بسرعه كبيرة. لابد انها سيارة هذه المرة. ولكن اين سنختبئ لا اري اي شئ فى هذا الليل الحالك. اخذت اركض بسرعة وانا احمل الصبي. والسيارة تقترب اكثر فاكثر. لابد انهم راونا الان. سوف يقتلونانا بلا شك. سقت ارضا و انا مازلت امسك بالصغيرلقد سكنت كل اطرافة و ما عاد يتحرك من شدة البرد و الخوف. اظن انها النهاية. عذرا ياصغيرى. لقد بذلت كل ما فى وسعي. سامحنى يا ملاكي الصغير. سامحنى يا قرة عيني... تذكر انك وعدتني الا تبكى ابدا...

كثيرا ما نفقد الامل. كثيرا ما نظن انها النهاية. ونكتشف لاحقا انها كانت البداية. مجرد البداية. كذلك الليلة لقد كانت البداية. سمعت صوتا مالوفا يقول لي" هات الصغير واصعد الى السيارة بسرعة". نظرت اليه لقد كان جاري القديم. لم اتمالك نفسي من الفرحة. صعدنا بسرعة الي السيارة. واخذت اقبله ودموعي تنهمر. لقد ظننت ان لن اقابله ابدا وكنت قد ظننت انه استشهد. سالته الى اين انتم متجهون. اجابنى الى الحدود سوف نهاجر جميعا. قلت له كيف نترك ارضنا... كيف نستسلم لهم بكل سهولة. ان ندافع عنها. لقد قضيت جل عمري هنا. في هذا الحي. لقد نشات وتربيت في حواري هذه المدينة. على هذه الارض. كيف لى ان اتركها. ربت على يدى في حنان وفال لي وهو يذرف الدمع سوف نعود. يوما ما سوف نعود...كان حزينا للغاية. وكنت اشد منه حزنا... لكن بالفعل يوما ما سنعود.

بلغنا وجهتنا. و اشرقت الشمش من جديد. كان شروقا مميزا هذه المرة. كان مفعما بالامل. نظرت الي الصغير, كان ينظر من النافذة, كان حزينا للغاية, لعله كان يستساءل عما سيحدث فى المستقبل. كانت نظرته حادة و كلها تحدي كلها رغبة. نظر الي. كان وكانه يسالني هل سنعود؟ نعم سوف نعود. يوما ما سوف نعود لنحرر ارضنا. ونرد لاعدائنا الصاع صاعين. يوما ما سوف ابني بيتي من جديد. يوما ما سوف تغرد الطيور . و يلهو الاطفال من جديد. يوما ما تنبت الارض من جديد. ويخضر نبات الارض من جديد. يوما ما سوف يعود المؤذن ليؤذن في الحي.وتجري المياه فى الانهار. يوما ما سوف نعود. وسوف نلقي خلفنا كل الذكريات الاليمة. سوف نبداء من جديد. سوف نطرد اعداءناوننتقم لشهدائنا... يوما ما سوف نعود...

عزيزي القارئ تري هل يعودون!!!؟

اهداء الى كل اطفال فلسطين...

طه

No comments: